عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
60
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
وذكر علي بن طباطبا العلوي في عروضه أن تأليفات العرب ثمانية ؛ السجع ، والخطب ، والرسائل ، والمزدوج ، والأمثال ، والشعر ، والمستمط ، والنثر . فالنثر تجرى في كلامهم البذلة من المخطبات ، والسجع في الأوصاف والحكايات وهو نثر مقيد بقوافيه ، والخطب هو النثر خالط السجع على طول الكلمات وتباين الأسجاع والرسائل والخطب ، غير أن أسجاعها مختلفة . والأمثال : قصار الكلمات المودعة حكما . والمزدوج : هو المثنوي على قوافي مختلفة . والشعر : ما ينطوي على العروض . والمستمط : شعر ألفت خمس مصاريع منه على سجع والمصراع السادس مقفى بقافية يدور عليها الشعر . فجميع تأليفات العرب هذه الثمانية فقط ، والقرآن جنس تاسع من التأليفات خارج عن هذه الكلمات ، فهي فيه بنوع من هذه التأليفات كلها ، وهي ما ذكرته . فمن هذا تبين أنه مباين لكلام البشر ، ومن تكلف المعارضين له وأجهد نفسه أن يخترع كلاما يخالف هذه التأليفات الثمانية أعجزه اللّه عن تجاوز ذروة هذه الثمانية ، علوا وارتفاعا ، فينحط إلى حضيض العي والركاكة التي هي أخس منازل الكلام ، فيأتي بما يضحك عليه العقلاء مثل مسيلمة الكذاب وغيره من المعارض ، فافتضحوا بما تقولوه وانسلخ عن طباعهم بلاغة كانوا عهدوها قبل تعرضهم للمعارضة ، وهو الذي سماه بعضهم الطرفة ، فقال مسيلمة : يا ضفدع بنت ضفدع نقي كم تنقين لا الماء تكدرين ولا تمتعين ، فسمع الصديق - رضي اللّه عنه - قوله فقال : هذا كلام لم يخرج من إل ، أي من ربوبته . والإل : بالكسر هو اللّه تعالى . وقال القتيبي : ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى أخرج من بطنها نسمة تسعى من بين شراسيف وحشا . وقال نضر بن الحارث ، وكان من فصائحهم : والزارعات زرعا والحاصدات حصدا والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا والخابزات خبزا واللاقمات لقما . وقال : قد أفلح من هم في صلاته وأطعم المسكين من مخلاته وأخرج الواجب من ذكاته . وقال آخر : والنجم إذا سما والبحر إذا طما ما زاغ منذركم وما طغى ، فأنزل اللّه تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ [ الأنعام : 93 ] فصارت تلك المعارضات فضائح لهم إلى يوم الدين . ومن جملة ذلك الفصول والغايات لبعض المتأخرين ، فأصبحت بعد بلاغة صاحبها في النظم والنثر ضحكة للعالمين ، هيهات ، هيهات ، ما أبعد الثريا من الثرى تبصر خليلي بعين البصيرة فصاحة